الشيخ محمد رشيد رضا

58

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في الآية التي نفسرها بالمأثم وهو ما كان ضارا . وقد بينا ضرر الخمر والميسر في تفسير آية البقرة من عدة وجوه وقال الراغب . الرجس الشيء القذر . يقال رجل رجس ، ورجال أرجاس . قال تعالى « رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ » والرجس يكون على أربعة أوجه : اما من حيث الطبع وإما من جهة العقل واما من جهة الشرع ، وإما من كل ذلك ، كالميتة فان الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا . والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر ، وقيل إن ذلك رجس من جهة العقل . وعلى ذلك نبه بقوله « وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » لان كل ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه . وجعل الكافرين رجسا من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء ، قال تعالى « وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ » الخ وقوله تعالى « رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ » نص في كون الرجس معنويا ، وهو محمول على جميع ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، كما قال في آية أخرى ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) وكانت الأنصاب والأزلام من لوازم الأوثان ، وأما رجس الخمر والميسر فبيانه في الآية التالية . وقد استدل بعض الفقهاء بالآية على كون الخمر بحسة العين فتكلفوا كل التكلف إذ زعموا ان « رجس » خبر عن الخمر وخبر ما عطف عليها محذوف . ولو سلم لهم هذا لما كان مفيدا لنجاسة الخمر نجاسة حسية . فان نجس العين ما كان شديد القذارة كالبول والغائط ، والخمر ليست قذرة العين ، والصواب ان « رجس » خبر عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كما قلنا تبعا للجمهور ، لان هذا هو المتبادر إلى الفهم من العبارة ، ولأنه الأصل في الاخبار عن المبتدأ وما عطف عليه ، ولأنه في الأنصاب والأزلام يوافق قوله تعالى ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) وأما إفراده مع كونه خبرا عن متعدد فلأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير ، كقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) أو لان في الكلام مضافا تقديره ان تعاطي ما ذكر رجس من عمل الشيطان . فقوله تعالى « مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ » تفسير وايضاح لكون ما ذكر رجسا . ومعنى كونها من عمل الشيطان انها من الاعمال التي زين لأعدائه